ابراهيم الأبياري

286

الموسوعة القرآنية

ومما اجتمع فيه حسن التخلص والمطلب معا قوله حكاية عن إبراهيم : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ إلى قوله : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . والأمر الكلى المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذي سيقت له السورة ، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات ، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب ، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له التي تقتضى البلاغة شفاء الغليل ، بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها ، فهذا هو الأمر الكلى المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن ، فإذا عقلته تبين لك وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة . ولترتيب وضع السور في المصحف أسباب تطلع على أنه توفيقي صادر عن حكيم : أحدها : بحسب الحروف كما في الحواميم . الثاني : الموافقة أول السورة لآخر ما قبلها ، كآخر الحمد في المعنى وأول البقرة . الثالث : للتوازن في اللفظ ، كآخر تبت وأول الإخلاص . الرابع : لمشابهة جملة السورة لجملة الأخرى ، كالضحى وألم نشرح . فسورة الفاتحة تضمنت الإقرار بالربوبية والالتجاء إليه في دين الإسلام ، والصيانة عن دين اليهودية والنصرانية ، وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين ، وآل عمران مكملة لمقصودها . فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم ، وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم ، ولهذا ورد فيها ذكر المتشابه لما تمسك به النصارى ، وأوجب الحج في آل عمران ، وأما في البقرة فذكر أنه مشروع وأمر بإتمامه بعد الشروع فيه . وكان خطاب النصارى في آل عمران أكثر ، كما أن خطاب اليهود في البقرة أكثر ، لأن التوراة أصل والإنجيل فرع لها ، والنبىّ صلّى اللَّه عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم ، وكان جهاده للنصارى في آخر الأمر ، كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب . ولهذا كانت السور المكية فيها الدين الذي اتفق عليه والأنبياء ، فخوطب به جميع الناس .